حملات النظام العسكرية تحتذي بالنهج الغربي
فابريس بالانش* - صحيفة (ليبراسيون) الفرنسية
في خريف 2012، بدا سقوط نظام بشار الأسد وشيكاً. فالثوار كانوا يبسطون سيطرتهم على ضواحي دمشق، ويتمددون في حلب، ويسيطرون على الشريط الحدودي مع تركيا. وبدا أن كفتهم راجحة في شرق البلاد، وكانوا صامدين في بعض أحياء حمص، عاصمة الثورة وقلبها النابض، على نحو ما سميت. وأجمع خبراء اسرائيليون وغربيون على الخلاصة هذه. لكن الرأي هذا لم يكن في محله، فهو استند في فهم النزاع الى أدوات العلوم الإنسانية والسياسية والاجتماعية التي لا تقوم لها قائمة في مقاربة مثل هذه الحرب التي يشنّها نظام غير تقليدي و»غير طبيعي». فالأزمة السورية انزلقت الى عنف من غير عقال تفشى في انحاء البلاد. وانتهج النظام السوري استراتيجية عسكرية ترمي الى مكافحة التمرد. وكان انسحاب قواته من اجزاء شاسعة من الأراضي خطوة تمويهية، ورابطت القوات هذه في المدن وطرق المواصلات الحيوية قبل أن تهاجم مجدداً. ورمت استراتيجية الانسحاب الى «تطهير» الجيش من العناصر المشتبه في ولائها، وتشجيعها على الانشقاق قبل شن الهجوم. فانشقاق الضباط الرفيعي الرتب وأعضاء الحكومة صيف 2012 كان ثمرة حملة تطهير «طواعية» تمهّد لرصّ الصفوف والتخلص من غير الأوفياء. وسارعت القيادة إلى تعيين من يتربّع محل المنشقين من ابناء جيل جديد من الجنود والضباط الساعين الى إثبات الولاء ونجاعة الأداء. ورفع النظام في حملة مكافحة التمرّد لواء الحرب على الإرهاب الإسلامي، وانتخبه إيديولوجيا ترصّ صفوف معسكره. واليوم، يسيطر النظام على 40 في المئة من الأراضي السورية المأهولة التي بقي من سكانها ثلاثة أرباعهم (حوالى 18 مليون نسمة) بعد موجات النزوح الكبيرة وهجرة 5 ملايين نسمة الى الخارج.
وأوجه الشبه بين استراتيجيا مكافحة التمرّد «الأسدية وبين استراتيجيا الجيوش الغربية في افغانستان والعراق، ضعيفة. فضحايا حملة النظام السوري العسكرية اكبر والدمار أشمل. لكن الحملة هذه التزمت مبادئ الاستراتيجية الغربية الرامية الى عزل المدنيين عن المتمرّدين وفصلهم عنهم، والسعي في استمالتهم، والاستمالة هذه في النسخة الأسدية لا تقضي بكسب ودهم أو قلوبهم. فكسب قلوب الأهالي في مناطق المتمرّدين كان شعار حملة الجنرال بترايوس الأثير على قلبه. لكن استراتيجية النظام السوري تستميل الناس من طريق زرع الخوف في نفوسهم وحملهم على البقاء في معسكره. ولا غنى عن حفظ الأمن في مناطقه والظهور في صورة حافظ الأمن والنظام. وإثر تناسل فصول النزاع الدموي، لم يعد السوريون يطمحون سوى الى السلام وتخلى كثيرون منهم عن المطالب السياسية. فهم، اليوم، لا يؤيدون صاحب القضية العادلة بل مَنْ هو قادر على إرساء الأمن في أسرع وقت ممكن. وسعى النظام سعياً حثيثاً الى عرقلة عودة الحياة الطبيعية إلى مناطق الثوار، وحال دون بروز نموذج حكم مضاد أو بديل يرسيه الثوار في مناطقهم. وهذا ما ترمي اليه سياسة القصف العشوائي على الأحياء المدنية وتدمير البنى التحتية. وأخفقت المعارضة في تشكيل جيش يعتدّ به.
ولا يخفى أن نزيف الطائفة العلوية كبير ولم يتوقف. لكن أبناءها لم ينسحبوا من القتال، وما يدفعهم الى الاصطفاف وراء نظام الأسد هو الخوف من ان يذبحهم الثوار إذا انتصروا. وفي آب (اغسطس) الماضي، هزّت حركات احتجاج ضد قيادة الجيش أوساط العلويين، إثر سيطرة «الدولة الإسلامية» على مطار الطبقة ومجزرة الجنود، ولكن سرعان ما انفرط عقد هذا الاحتجاج. ويعوّض النظام نزف العناصر العلويين والمنشقين من طريق الاستعانة بقوات «حزب الله» البالغ عديدها في سورية حوالى 20 ألف رجل والمتطوعين الشيعة العراقيين. ويمد النظام الإيراني نظيرَه السوري بالمشورة الإستراتيجية، وكان وراء تشكيل «قوات الدفاع الوطني» في ربيع 2012 وهي تتولى أعمال الشرطة داخل المدن، وتحرّر، تالياً، الجيش من ثقل هذه الأعباء لينصرف الى شن حملات عسكرية. وكوادر هذه القوات تتدرب في إيران، وجنودها يدرّبهم «حزب الله». ولا يخفى ان إيران تحرّك عجلة حملة مكافحة التمرد ولا تقوم للحملة هذه قائمة من غير الدعم الإيراني الكبير والدعم الروسي. ودعم حلفاء النظام السوري قويّ وحيويّ، وهو شريان حياة مكافحة التمرّد. وعلى خلاف الدعم الحارّ هذا، يبدو دعم المعارضين فاتراً. فالدول التي تدعم المعارضة السورية تدعم فريقاً من دون غيره، ما يفاقم الشقاق في صفوف الثوار.
ولا شك في أن سقوط حلب، ثاني أكبر المدن السورية، في يد النظام، ولو كانت مدمرة جزئياً، هو نصر رمزي وإستراتيجي للأسد يطوي التمرّد في شمال غربي سورية. وبعد السيطرة على حلب، لن يبقى أمام نظامه سوى احتواء التوأمين الإسلاميين، «داعش» و»جبهة النصرة»، في الشرق وبعض الجيوب في سلسلة الجبال على الحدود مع لبنان. والقضاء عليهما مستبعد وغير مستحب. فالأسد لا يخفى عليه أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لا يسعى الى إطاحته ولا يراه مصدر الخطر، بل يعتبر ان التوأمين يهددان المصالح الأميركية.
* خبير في شؤون سورية الجغرافية والسياسية
*المصدر: صحيفة البيان 3/12/2014 إعداد: منال نحاس
فابريس بالانش* - صحيفة (ليبراسيون) الفرنسية
في خريف 2012، بدا سقوط نظام بشار الأسد وشيكاً. فالثوار كانوا يبسطون سيطرتهم على ضواحي دمشق، ويتمددون في حلب، ويسيطرون على الشريط الحدودي مع تركيا. وبدا أن كفتهم راجحة في شرق البلاد، وكانوا صامدين في بعض أحياء حمص، عاصمة الثورة وقلبها النابض، على نحو ما سميت. وأجمع خبراء اسرائيليون وغربيون على الخلاصة هذه. لكن الرأي هذا لم يكن في محله، فهو استند في فهم النزاع الى أدوات العلوم الإنسانية والسياسية والاجتماعية التي لا تقوم لها قائمة في مقاربة مثل هذه الحرب التي يشنّها نظام غير تقليدي و»غير طبيعي». فالأزمة السورية انزلقت الى عنف من غير عقال تفشى في انحاء البلاد. وانتهج النظام السوري استراتيجية عسكرية ترمي الى مكافحة التمرد. وكان انسحاب قواته من اجزاء شاسعة من الأراضي خطوة تمويهية، ورابطت القوات هذه في المدن وطرق المواصلات الحيوية قبل أن تهاجم مجدداً. ورمت استراتيجية الانسحاب الى «تطهير» الجيش من العناصر المشتبه في ولائها، وتشجيعها على الانشقاق قبل شن الهجوم. فانشقاق الضباط الرفيعي الرتب وأعضاء الحكومة صيف 2012 كان ثمرة حملة تطهير «طواعية» تمهّد لرصّ الصفوف والتخلص من غير الأوفياء. وسارعت القيادة إلى تعيين من يتربّع محل المنشقين من ابناء جيل جديد من الجنود والضباط الساعين الى إثبات الولاء ونجاعة الأداء. ورفع النظام في حملة مكافحة التمرّد لواء الحرب على الإرهاب الإسلامي، وانتخبه إيديولوجيا ترصّ صفوف معسكره. واليوم، يسيطر النظام على 40 في المئة من الأراضي السورية المأهولة التي بقي من سكانها ثلاثة أرباعهم (حوالى 18 مليون نسمة) بعد موجات النزوح الكبيرة وهجرة 5 ملايين نسمة الى الخارج.
وأوجه الشبه بين استراتيجيا مكافحة التمرّد «الأسدية وبين استراتيجيا الجيوش الغربية في افغانستان والعراق، ضعيفة. فضحايا حملة النظام السوري العسكرية اكبر والدمار أشمل. لكن الحملة هذه التزمت مبادئ الاستراتيجية الغربية الرامية الى عزل المدنيين عن المتمرّدين وفصلهم عنهم، والسعي في استمالتهم، والاستمالة هذه في النسخة الأسدية لا تقضي بكسب ودهم أو قلوبهم. فكسب قلوب الأهالي في مناطق المتمرّدين كان شعار حملة الجنرال بترايوس الأثير على قلبه. لكن استراتيجية النظام السوري تستميل الناس من طريق زرع الخوف في نفوسهم وحملهم على البقاء في معسكره. ولا غنى عن حفظ الأمن في مناطقه والظهور في صورة حافظ الأمن والنظام. وإثر تناسل فصول النزاع الدموي، لم يعد السوريون يطمحون سوى الى السلام وتخلى كثيرون منهم عن المطالب السياسية. فهم، اليوم، لا يؤيدون صاحب القضية العادلة بل مَنْ هو قادر على إرساء الأمن في أسرع وقت ممكن. وسعى النظام سعياً حثيثاً الى عرقلة عودة الحياة الطبيعية إلى مناطق الثوار، وحال دون بروز نموذج حكم مضاد أو بديل يرسيه الثوار في مناطقهم. وهذا ما ترمي اليه سياسة القصف العشوائي على الأحياء المدنية وتدمير البنى التحتية. وأخفقت المعارضة في تشكيل جيش يعتدّ به.
ولا يخفى أن نزيف الطائفة العلوية كبير ولم يتوقف. لكن أبناءها لم ينسحبوا من القتال، وما يدفعهم الى الاصطفاف وراء نظام الأسد هو الخوف من ان يذبحهم الثوار إذا انتصروا. وفي آب (اغسطس) الماضي، هزّت حركات احتجاج ضد قيادة الجيش أوساط العلويين، إثر سيطرة «الدولة الإسلامية» على مطار الطبقة ومجزرة الجنود، ولكن سرعان ما انفرط عقد هذا الاحتجاج. ويعوّض النظام نزف العناصر العلويين والمنشقين من طريق الاستعانة بقوات «حزب الله» البالغ عديدها في سورية حوالى 20 ألف رجل والمتطوعين الشيعة العراقيين. ويمد النظام الإيراني نظيرَه السوري بالمشورة الإستراتيجية، وكان وراء تشكيل «قوات الدفاع الوطني» في ربيع 2012 وهي تتولى أعمال الشرطة داخل المدن، وتحرّر، تالياً، الجيش من ثقل هذه الأعباء لينصرف الى شن حملات عسكرية. وكوادر هذه القوات تتدرب في إيران، وجنودها يدرّبهم «حزب الله». ولا يخفى ان إيران تحرّك عجلة حملة مكافحة التمرد ولا تقوم للحملة هذه قائمة من غير الدعم الإيراني الكبير والدعم الروسي. ودعم حلفاء النظام السوري قويّ وحيويّ، وهو شريان حياة مكافحة التمرّد. وعلى خلاف الدعم الحارّ هذا، يبدو دعم المعارضين فاتراً. فالدول التي تدعم المعارضة السورية تدعم فريقاً من دون غيره، ما يفاقم الشقاق في صفوف الثوار.
ولا شك في أن سقوط حلب، ثاني أكبر المدن السورية، في يد النظام، ولو كانت مدمرة جزئياً، هو نصر رمزي وإستراتيجي للأسد يطوي التمرّد في شمال غربي سورية. وبعد السيطرة على حلب، لن يبقى أمام نظامه سوى احتواء التوأمين الإسلاميين، «داعش» و»جبهة النصرة»، في الشرق وبعض الجيوب في سلسلة الجبال على الحدود مع لبنان. والقضاء عليهما مستبعد وغير مستحب. فالأسد لا يخفى عليه أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لا يسعى الى إطاحته ولا يراه مصدر الخطر، بل يعتبر ان التوأمين يهددان المصالح الأميركية.
* خبير في شؤون سورية الجغرافية والسياسية
*المصدر: صحيفة البيان 3/12/2014 إعداد: منال نحاس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق